أبو نصر الفارابي

27

الأعمال الفلسفية

( تحصيل السعادة ) . لأن الغرض أن تتقوم النفوس بسلوك جميل نافع ، وهذا الجميل والنافع لا يحدث إلّا عن طريق التعوّد والاكتساب ، وينهض على أساس من الإدراك المعرفي عند الإنسان كي تتحقق لديه قوة إدراك الوسط الأخلاقي عمليا بالفعل لا بالقوة ، حتى نصل إلى قنية الأخلاق الجميلة عن طريق تنمية جودة التمييز في الأفراد . وقوة التمييز هذه تحتاج في غاية الشوط إلى وسيلة لتقويتها ، وهذه الوسيلة هي مقدمات المنطق وألفاظه ومفرداته وما يرتبط منها بأصول اللغة ونحوها ، ثم يرتفع إلى ما هو أخص من هذه الموضوعات ، ومن ثمّة الإحاطة بفلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس ، ومنها يخطو نحو ما يسمى بالشروح والتفاسير لتلك البحوث ، ونصل عندئذ إلى ما يسمى بالعلم الإلهي الذي يعتبر الغاية والمقصد بالنسبة إلى السعادة النظرية . وفي هذا المجال تساير الفلسفة العملية اقتناء الفعل الجميل وذلك بارتباطها بالتطبيق المدني لهذه الأفعال ، أو بالأحرى بالسياسة ، وخاصة في جانبها الأخلاقي الذي أشرنا . فعند التقاء هاتين المرحلتين يتحقق لهذا الإنسان ولهذا المجتمع سعادته التي يتطلع إليها . وأخيرا نريد أن ننتهي من هذا كله إلى أن كتاب ( تحصيل السعادة ) هو الأول في البناء السياسي والاجتماعي ، ومن ثمّة كتاب ( التنبيه على سبيل السعادة ) . ولعل في دراستنا وتحقيقنا للكتاب الأخير ( أعني التنبيه ) - ولبعض رسائل الفارابي الفلسفية ما يوضح للقارئ هذا الموقف الذي رأينا . هذا من جهة المادة العامة لكتاب ( تحصيل السعادة ) ، أما الجانب الآخر من النقد الباطني ، فإننا نجد أن الفارابي عندما يأتي على ذكر شرائط دارس الفلسفة ( مشيرا إلى أنها الشرائط التي ذكرها